يرتفع رأسه ويبطء الخطو حين يمر ببيتي، هناك شيء من الثقة المتبادلة بيننا، أدرك تماماً أنّه سيأتي في الموعد، متأخراً ربع ساعة في أسوأ الأحوال، ويعلم أنّني أعددت لمجيئه، تسللتُ من بين دفاتري وصعدتُ إلى بيت جدي.
في بيتنا أكون أقرب إليه، الطابق الثاني يوفر بضعة ثوان مهمة لمن هو مثله، تراكم هذه الثواني هو ما يؤخره ربع ساعة عني، لكن المسافات ليست صادقة كما تبدو.
قد يكون الطابق الثاني أقرب إليه، لكنّ السور فيه أعلى، ووتائد اللقاء فيه أوهن، وطعم المآلات فيه مُغلّف بـ"النكد"، ولا شيء أسوأ من نكهة النكد.
سأفكر في موعدنا صباحاً، وسأوفر قطعة فضية تساعدني على لقائه، وقد لا أوفرها وألتجئ للكأس البلاستيكي في خزانة مطبخ جدتي، إنّ كان النوم غلبَ جدي وباءت محاولاتي لإيقاظه دون إيقاظه، بالفشل، دائماً ستجد لي جدتي قطعة فضية، إنّه إيمان مطلق لدي لم يخب أبداً، حتى إنّ كلفتها القطعة نزق قطع قيلولة جدي.
سنجلس معاً، جدتي وأنا، على كراسي القصب بين الحبق والفل والبقدونس، ليس هناك الكثير من البقدونس، أقطفه قبل أنّ يطول ولا تغضب مني، وأسمعه من بعيد، "كعك، كعك".
أتهيّأ لندائه، ولا أحتاج لرفع صوتي، يراني ويقف دون ندائي، أطير على الدرجات قبل أن تنتبه أمي، كعكة ساخنة محشوة بالتمر، من عربته بصندوقها الزجاجي، بخمس ليرات.
ليست حلوى مكشوفة، ألا ترى أمي الصندوق الزجاجي؟ والورق الأبيض والأكياس النظيفة؟ إنه لا يلفها بالجرائد كبائع العرانيس الذي لا تعترض عليه، ومع ذلك تراها تسمماً غذائياً بخمس ليرات.
هذه هي جدتي، لا يعنيها تسرع قلبي ذو الأعوام الخمسة من الكافيين، ولا يعنيها عدد الأغلفة على الحلوى، يوجعها أن ترتجف شفتاي منذرة بالبكاء، ويعنيها مرار يوم صيفي دون كعكة لامعة محشوة بالتمر، أريدها من هذا "العمو" بالذات ولن تمنعني عنها.
القبض على الكعكة الدافئة من المنتصف كي لا تنكسر، عليك أن تتقنه، لها خمسة أطراف ككفّ لمخلوق من الـ"حدوتات"، لا أحب أن آكل الأصابع في النهاية، أترك قطعة غير محشوة، آكلها ختاماً لأكسر حلاوة التمر، لم أحبّ السكر يوماً.
لماذا لا أشتريها دون حشو؟ لا أدري، إنها أجمل حين تبدو بشكل الكفّ، جدي يحبّ التمر وأحبّ أن أحبّ ما يحبّه، ومحبة التمر أسهل من محبة الأخبار وجمال عبد الناصر، لطالما اشتريتها بالتمر ولا أدري في الحقيقة لماذا.
الورقة التي تغلفها رقيقة وشفافة، تلتصق بالقطر الخفيف على حوافها، أحب كثيراً التقاط حبات السمسم العالقة بالورقة، وتحب جدتي أن أتركها مع قطعة كعك للحمام، تحبّ جدتي الحمام، ويحبها، ولا يهمها كمّ التنظيف المترتب على هذه المحبة، وقلما أكمل الكعكة كاملة، وتكون هذه تكملة جلستنا.
لا تخافنا، تجلس عند قدمينا وتلتقط فتات كعكة اليوم السابق، لا تقترب من بقايا كعكة اليوم المتروكة لتجف، ولا أحبها لكنني لا أطردها، إنها ضيفة جدتي، ولا حاجة لأشرح أكثر.
قد يكون هذا أحد أسباب كراهيتي العميقة لطيور الحمام، شعوري الدائم بالتنافس معها، تكمل عني طبق البرغل، تتعشى كعكتي، تجلس عند قدمي جدتي، وتحتلّ من قلبها مساحة هي مساحتي.
الأطفال كائنات أنانية وشريرة، نتأخر حتى ندرك حقيقتنا هذه، وفي الطريق إلى إدراكنا هذا أضرار لا سبيل إلى إصلاحها، لو أنني أصير حمامة عند قدمي جدتي.
قد يكون طعم هذه الكعكة مقروناً عندي بالتمرد، والتفرد، أنزل إلى الشارع دون استئذان، آكل ما منعتني عنه أمي، بدل طبق "محشي الملفوف" المغذي بغباء، ولا أحد غيري يملك رخصة للكأس البلاستيكي في خزانة المطبخ، خزانة المطبخ الثانية من اليمين، الرف السفلي، خلف طلاء الأظافر الأحمر المستخدم في كل شيء إلا طلاء الأظافر، إنه كأسي أنا وحدي، وسرّنا، جدتي وأنا.
لا أفكر أبداً بأن أشمئز من حبات العرق على جبهته السمراء، وتسعدني يده حين تمتد عارية من الكفوف إلى رزمة الأوراق، يبلل أصابعه بإسفنجة صفراء، ويمسك الكعكة بالورقة، ويسلمني إياها بيده الكبيرة، وأحتاج كلتا يدي لأحتويها، أو أنها تحتويني.
ما الذي يدفعني لأروي هذا التفصيل العتيق؟ قد يكون سيري في فرنسا، بلد الباجيت والملفيه والإكلير، بمحفظة متخمة بالقطع الفضية، باحثة عن كعكة واحدة هشة، محشوة بالتمر، أتقاسمها مع حمامة قبيحة، ولا تكون مرّة كالسكّر.
____________________
** فرح يوسف - قاصة سورية
* اللوحة " Salvador-Dali-Apparition-of-a-Face-and-Fruit-Dish-on-a-Beach-1938"