20 Jan
20Jan

صباح الخير أيها الكوكب الأزرق، صباح الخير أيتها الشمس، صباح الخير أيها الأرضيون، " شكراً، لقد كان أمرا جميلا - وشاقا - أن أشارككم هذه السنوات الست والعشرين"، هذا هو باختصار فحوى رسالتي.

أعرف أن الوقت بالنسبة إليكم هو الأهم؛ وأن قيمة كلّ  شيء تتحدد وفق علاقته مع الزمن وتداعيات هذه العلاقة، لذلك، ولأن وقتكم أثمن ما لديكم يمكنكم أن تكتفوا بما قرأتموه حتى الآن، أما بالنسبة لي فمنذ هذه اللحظة أصبح الموضوع مختلفا بعض الشيء.

فيما أنتم تقرؤون سأكون قد غادرت الأرض وعدت إلى كوكبي الأصلي.

على كوكبي مفهوم "الزمن" مبهم تماما، وكذلك مفهوم "العدد"، لا أحد معني بأن يحصي عدد المرات التي تشرق فيها الشمس وتغرب؛ وبأن يرقمها ويطلق عليها تسميات ويرتبها ضمن مجموعات.

على كوكبي، الشمس تشرق فحسب،  وثمة ما يكفي من كلّ  شيء للجميع، لا قياسات، لا أرقام، لا شيء مبكر، لا شيء متأخر، لا نقصان، لا زيادة، لا ربح، لا خسارة، لا قيمة، أمر صعب الفهم بالنسبة إليكم أليس كذلك؟

قضيت ستاً وعشرين سنة أرضية؛ وعبثاً حاولت أن أستوعب منظومة القيم التي اخترعتموها وربطتم أرواحكم بها.

منذ يومين قلت لصديقتي أنني أصبحت في السادسة والعشرين، لم يعنها الأمر كثيرا؛ لكنها ولكي لا تشعرني بأنها غير مبالية رسمت ابتسامة أرضية على وجهها؛ وقالت لي بصوت مرح أنه رقم جميل وبأنها تتفاءل بالأرقام الزوجية.

ابتسمت ولم أعقب على ما قالته، أدركت أنها لم تستطع أن تحس بما وراء جملتي هذه، لقد وقعت في مصيدة بريق الرقم، وهذا أمر شائع جدا على كوكبكم، لاحظوا كيف تختارون العناوين الرنانة:

"خمسون شهيدا ومئة وثلاثون جريحا بعضهم في حالة حرجة ضحايا التفجير الذي وقع في ..... إلخ، إلخ"

"وفاة فلان الفلاني عن عمر يناهز السادسة والسبعين،،"

"تعلم اللغة الفلانية في خمسة أيام دون معلم"

"العادات السبع للناس الأكثر فعالية"

"كيف تحضرين حلوى النسكافيه في أربع خطوات سهلة"

"إحدى عشر مؤشرا على أنك تعيش حبا حقيقيا".............. إلخ إلخ.

بمجرد حضور العدد ينبهر الجميع به، وتخبو شيئا فشيئا أهمية المعدود.

أتممت ستا وعشرين سنة على كوكب الأرض،

كانت أمي الأرضية في مثل عمري الآن عندما أنجبتني، هنا بالذات تكمن خصوصية هذا الرقم.

خطرت لي هذه الفكرة فيما كنت أنظر من شباك غرفتي نحو اللا شيء الذي يملأ شوارع الكوكب.

ستٌ وعشرون سنة قضيتها متأرجحة على الحواف، أقامر بكلّ  ما أملك وبكلّ  ما يمكنني امتلاكه في سبيل لحظة من الدهشة.

ست وعشرون سنة وهذا اللا شيء لا يكف عن التعاظم، ست وعشرون سنة وهذه الحواف تزداد انحدارا وخطورة، ست وعشرون سنة وأنا أخسر، واستمر رغم ذلك بالمقامرة، ست وعشرون سنة، أعرف أنه رقم صغير بالنسبة إليكم، لكنه سحري بالنسبة لي، سحري إلى درجة أنه يصلح كي يقترن بعنوان رنان لنهاية ما؛ أو ربما بداية.

أنطلق في رحلة العودة بعد قليل، وليس في حوزتي سوى الحب.

شكراً لجميع الأشياء التي سمحت لي بأن أحبها.

للشمس؛ للمياه؛ للرمل الحار؛ للبحر؛ للغابات؛ للقمم الشاهقة؛ لرائحة الأرض المبللة؛ لرائحة جلد الذين أحبهم؛ للقمح والعنب والزيتون والتين وحب الهال والقنب.

شكراً للهواء الساكن، والهواء العاتي، والهواء المهتز الذي ينسج الموسيقا.

شكراً للصخور الكريمة، للخيول الجامحة، للأوراق الصفراء والأقلام ذات الخط العريض.

شكراً لبسكويت جدتي، للطرقات الحجرية ولمبات "التنغستين".، لأقدام أمي.

شكراً للحب، ملاذي الأول، الأخير، والأوحد.

_________________________
** زين خزام - كاتبة سورية.
* غرافيكس من أعمال الفنان السوري "أيهم جبر" بعنوان (الفضائيون يغزون دمشق).


تم عمل هذا الموقع بواسطة