02 Mar
02Mar

لم أكن بعمرٍ يسمح لي بتقدير الأدب السيء من الأدب الجيد حينها، ولم أكن ألجأ لأيٍّ من الأشكال الأدبية هرباً من الحزن؛ كان الخيار الأول حينها هو موسيقى الميتال، ولم أعرف بوجود طريقة لتصريف الألم لا تتضمن الصراخ أو النزيف أو أياً من أشكال المازوخية التي كانت -بشكلٍ أو بآخر- الثقافة المسيطرة على أبناء جيلي حينها.

توفي أقرب أصدقاء والدي في تلك الفترة، ورغم أنني لم أضطر للتعامل مع أثر وفاته على الوالد بشكل مباشر -عدنا من المدرسة لنجد ورقةً تقول "توفي أبو توفيق، نحن في السويداء- إلا أن قرب عمره من قرب عمر والدي شكل هاجساً لم أستطع تجاوزه بخبرتي الحياتية التي لم تتجاوز البضع عشر ربيعاً، كنت أرى في نفسي حكيم بيتنا، لكن كل الحكمة التي حملت في سنين مراهقتي لم تسعفني لأتوقف عن البكاء حزناً على ذاك الفقد.

عاد أبي ليجدني شخصاً آخر، كنت أسمع كل ذاك الصخب بهدوء في غرفتي، أراقب قطرتين أو ثلاثاً من الدم تسيل من ذراعي لسببٍ لا أستطيع فهمه اليوم، ويتعزز عجزي عن الفهم عندما أذكر الغثيان الذي لطالما أصابني من لون تلك القطرات، لكنني كنت أترك كل تلك الطفوليات في غرفتي، ثم أخرج لأجلس بجانبه رجلاً، أحاول نقاشه في كل المواضيع التي يحاول المراهقون نقاش أهلهم فيه إثباتاً لرجولتهم، غارفاً من بحور معرفتي بالسياسة والفلسفة ومعتقداتي الثائرة على كل ما يراه المجتمع.

كانت بدايات انتفاضتي تلك مدعاةً لضحك والدي، ثم أدرك أنها ستبقى نحتاً في الماء ما لم يوجهني إلى مكانٍ ما، ولم يكن قد تعافى من وفاة صديقه بعد، فسألني ذات عراكٍ إذا ما كنت أعرف حمير نيسن؟ لم أكن أعرف حمير نيسن. لم أكن أعرف أي حمارٍ اللهم إلا بعض أصدقائي الذين أصر آباؤهم على تذكيرهم بفصيلتهم في كل مناسبةٍ وعند كل مواجهة. لم أكن أعرف أن حواراً بين حمارٍ وذبابةً يمكن له أن يفرغ كل خوفي من الموت بينما كنت أضحك على كل المفارقات التي تنتج عندما يتحدث الحمير بمنطق البشر.

لكن عبد اللي كان يعرف.

عبد اللي الذي نقل لغةً لا يمكن لأحد بعقله السليم أن ينعتها باللغة الجميلة إلى لساني الأم الذي لا يقل تعقيداً ولا يقل تحدياً، كتب نيسن بسلاسة النسيم، ولم يظلم أدبه الذي ساهم بدون شكٍ في نقلي من الطفل الذي كنته إلى الرجل الذي صرته اليوم.

دخلت غمار الترجمة بعد سنوات قليلةٍ من هذه الحادثة، بعدما أنجزت قراءة ما وقعت يداي عليه لنيسن وللمنفلوطي ولجبران عربياً ومعرباً، وبدأت شيئاً فشيئاً إدراك صعوبة ترجمة النص الأدبي، حتى عندما حاولت ترجمة نصوصي الخاصة كنوعٍ من التدريب، سرعان ما تحول التدريب تحدياً، وسرعان ما فشلت في هذا التحدي مراراً وتكراراً؛ أن تخلص في الترجمة يعني أن تنهل من بحرٍ حقيقيٍ من المعرفة بأدب الكاتب وثقافته والحضارة التي انحدر منها، يعني أن تعيد صياغة الدم يندفع في عروق القارئ إذ يقرأ ما يقرأ للمرة الأولى، أن تحكي مشاعر الكاتب بلسانٍ غريبٍ يستطيع هذا الكاتب أن يألفه إذا ما راقب ردود فعل قارئه بذاك اللسان الغريب.

كم استطاع عبد اللي اصطحابي في رحلات نيسن التي دفعتني إلى البكاء حزناً بينما كنت أضحك، كم استطاع تشويقي لأعرف التالي في حياة حميره – أو  مماتهم –، كم عشت أحلاماً في تلك الخرابة المدعوة بقصر القمل، وكم تعرفت على وجوه أخرى مختلفةٍ للدولة التي عشت فيها عاماً ونيف، لم أستطع ملامستها بهذا العمق حتى عندما مشيتها وحيداً ذات مساءٍ صيفيٍ شديد الهدوء. كل هذا دون أن أشعر بعبء قراءة الأدب المترجم، ودون أن أحزن على عدم استطاعتي الوصول إلى جودة القراءة باللغة الأم لضياع المعاني في ترجمات أولئك من غير المخلصين.

قد لا يدرك جيلنا اليوم ما فقد، وقد لا نستطيع إدراك مأساتنا إلى أن يأتي ذاك اليوم الذي نحاول فيه توجيه أطفالنا إلى أي من أدباء اللغة التركية دون أن يجدي التوجيه في تحقيق أي غايةٍ تذكر، ودون أن يستطيعوا وضع أيديهم على نسخةٍ ورقيةٍ من أعمال نيسن أو باموق أو شافاق أو حكمت مهما رغبوا، لمفاجأتنا، بخوض هذه المتعة.

لكن التاريخ لا ينسى، فليدم ذكرك مؤبداً أثراً على أجيالٍ لم تدرك عظمة فقد مفتاح كشخصك حتى وفاتك. فليدم ذكرك مؤبداً امتناناً من كل طفلٍ ومراهقٍ وشابٍ ساهمت في تكوينه أبداً، ننعيك ركناً نادر الوفاء للحرف في وسطٍ استحال حكايةً تضحك وتبكي، لا تسمن ولا تغني من جوعٍ، عايشتها، وقاومت فيها المرض، وقاومت فيها المنفى، لكن الموت كان، كما دوماً، أغبى من أن يقرأ البطولات.

فلترقد بسلام، عبد القادر عبد اللي، وإلى لقاءٍ آخر.
___________________________________
** حازم رعد - كاتب سوري.
* الصورة من الانترنت 

تم عمل هذا الموقع بواسطة