23 Apr
23Apr

يبدو الأمر كأنّـنا شهدنا الحروب جميعها، حتى الّتي لم نرَها أو الّتي لم نَعِشْ في زمنِها، فإنّ السّـينما قامت بواجب نقلها إلينا بأفضلِ تصوّرٍ ممكنٍ وباحترافيّةٍ تزدادُ مع كلّ تجربةٍ وكلّ رؤية وكلّ تطوّرٍ في التّكنولوجيا.
الأغلبُ أنّ السّـينما لم تتجاوز حرباً إلا وجسّدتها، من حروبِ ماقبل التّاريخ، من روما وتركيا، حروبُ المغول وحروبُ العروشِ والممالكِ حتّى الحروب العالميّة، وليس انتهاءً بفلسطين وكوسوفو والعراق وسوريا.

يكاد مثلاً لايخلو عامٌ سينمائيّ من فيلمٍ عن الحرب العالميّة الثّـانية، بكادراتٍ ضخمةٍ وتكاليف باهظة وتصاميم للأماكن والاستديوهات بدقّـةٍ ومشهديّةٍ مدروسةٍ بعناية، لكن تختلفُ جهةُ الإنتاج بين أوروبا أو روسيا أو أميركا أو سواها فيختلفُ السّرد والوقائع وتسليط الضّوء حسبَ التّوجّهات السّـياسـيّة والاقتصاديّة والتّسـويقيّـة للمنتج.

حتّى الآن ماتزالُ السّـينما العربيّة قاصرةٌ عن نقل أزماتنا إلى الشّـاشـة الكبيرة، وتتلخّص أسباب ذلك بضعف الإمكانيات وعدم تكريس الرّؤى الإبداعيّـة في الإخراج، وكذلك هيمنةُ السّـياسـة والرّقابةِ على كيفيّةِ رسمِ ساحة الحربِ فلا يخرجُ أيّ فيلمٍ عن الإطار التّقليديّ للأعمال الدّراميّـة العاديّـة.

لعلّ من أهمّ الانعطافاتِ في تاريخنا المعاصر كانَ غزو أميركا للعراق، وهو حدثٌ كثيفٌ بتشابكاته السّـياسـيّة والاجتماعيّـة لاسـيّما في أرضٍ تملؤها النّزاعات والتّناقضاتُ والتجلّيات الواسعةُ للحربِ كأرضِ العراق.

إلا أنّ السّـينما العراقيّة تلخّصت إنتاجاتها في الأعوامِ الأخيرة ببعض الأفلام الرّوائيّـة الطّويلـة المملّة التي لاترقى بأيّ شكلٍ لنقلِ صورة الحرب والمجتمع الممزّق، فضلاَ عن ضعفها الإخراجيّ والإنتاجيّ وصعوبةِ الحصولِ عليها بسبب قلّة التّـسويق والانتشار، وإن كان ثمّة إنجاراتٌ تذكر، فهي عدّة أفلامٍ كرديّة مثل فيلم "بيكاس" لمخرجه "كارزان قادر" وهو سويديّ الإنتاج، أو فيلم "ابن بابل" لـ "أحمد الدّراجي" الذي يُسجّل له بأنّـه أوّل فيلمٍ عراقيّ يدخل سباق الأوسكار، وأفلامٌ أخرى تقارب هذا المستوى،كفيلم "السلاحف بإمكانها الطيران" ل "باهمان قوبادي" و سواه.. إلا أنها بمعظمها تختصّ بتصوير القصص الفرديّـة ونقل معاناة عائلاتٍ في خضمّ الحرب والأزمات المستمرّة منذ عام 1991 في البلاد. ولا تدخل حيز الحرب وحيثيّـاتها السياسية ولا تعمّمُ الصورة على المجتمع،

يضاف إليها الأفلام القصيرةُ المنجزةُ بمجهودات شخصيّةٍ للمخرجين الشّباب الذين يكتبون ويمثّلون وينتجون الفيلم بإمكانيات محدودةٍ جداً، إلا أنّهـا تتقدّم بخطٍّ تصاعدي ليجعلنا نأمل بأنها ستكون في المستقبل غير البعيد في ميدان المنافسة السينمائيّـة العالمية.


وفي ظلّ التّقصير العربي تخلو السّـاحة لكاميرات هوليوود كي ترسم الحرب بطريقتها، وهو ما يُعدّ كارثةً على التّاريخ الذي يزداد تشوّهاً، والخديعة التي تكتسبُ مصداقيّتها العميقة من خلال الإعلام والسّـينما.

نعم، أفلامٌ تتصدّر لوحاتِ الإعلانات وقوائم التّرشيحات لأهمّ الجوائز وهي أفلامٌ باذخةٌ في استهلاكِ المواقع والأدوات، عاليةُ التّكلفة الإنتاجيّـة لايصعب فيها تمثيل أي حدثٍ أو استجلابُ عناصر المشهدِ مهما بلغت ضخامتها أو حساسية تصويرها، أفلامٌ كانت لتكونَ رائعةً لولا إدراكُ المتلقّـن المدرك لحقيقة الأمر لحجمِ النّفـاقِ التّمثيليّ والأسلوبِ الحواريّ الذي يهدفُ بالأساس لتوجّـه الرّأي نحو جعل أميركا صاحبة الحقّ والفضلِ في مواجهة الإرهاب بتأييـدٍ من الشّعب العراقي الّذي يأملُ بالأمان بفضل وجود الجيش الأمريكيّ في أرضه.

فيلمُ "خزانة الألم" مثلاً.. حاصدُ جوائز عام 2009، لمخرجَـته "كاثرين بيغلو" يقفُ في مقدّمة هذه الأفلام، إلى جانبه "قنّاص أميركي" للهوليودي المخضرم "كلينت إيستوود"، تكرّس بشدّةٍ مشهدَ العراقيّ الذي يبدو مواطناً عاديّـاً يحاول التّعايش مع الحرب بصعوبة، خاصّةً وأنه لا يرتاح للجنديّ الأمريكي، ليتّضح دائماً قبل النهاية أنه "إرهابي"، أو المواطن "الصّالح" الذي لابدّ سيكون متعاوناً مع الجنود الأميركيين في القضاء على إرهابيّ هو في الغالبِ جارهُ أو قريبُه أو حتّى ابنه. عدا عن أنّ عنصر الشرّ هذا، يستغلّ القيمَ الإنسانيّـة العالية للأمريكي ويبتزّه بالسّـكان الآمنين ليحقّق مراده، إلا أن النّصرَ يكون -دون شكّ- للبطلِ القادم من بلاد ماوراء البحار لينقذ أرضنا. مع تضخيمٍ هائلٍ للقيم الوطنيّة الأمريكيّة، وتعميقِ روح التّضحية والتّفاني عند الجنديّ في الحوارات المكتوبة بطريقةٍ تنفذ إلى مشاعر المشاهدِ وتثير تعاطفه خاصةً مع توسيع عرض تفاصيلِ حياة الجنودِ وعائلاتهم وآثارِ الحرب عليهم، ثمّ إصرارهم على "تأدية الواجب" والقدومُ إلى الحرب، بينما تبدو حياة الإنسان العراقي خاليةً من أي معنى ولا أهمّية لأرواحهم التي تتساقط بالعشرات على أرض المعركة. الصورةُ المُحاكةُ للحرب تذهبُ بعيداً جداً عن الواقع وتسهبُ في إثبات أحقّية أميركا بشنّ هذا العدوان دون أيّ نوايا إلّا إنقاذ العالم من الظّلمِ والإرهاب والأسحلة غير المشروعة.

عشراتُ بل ربّما مئات الأفلام أُنتِجت عن هذه الحرب بكاميراتٍ لها نفس التّوجّه ونفسُ القضيّة، بينما أربعةُ أفلامٍ وثائقيّـة لمخرجين ليسوا "برّاقين"، رُويت بلسان جنودٍ حقيقيين عادوا من المعركة نادمين، يعترفون بأنّها حربٌ مجرمةٌ وأنّهم أصبحوا قتلة، هي مهمّشةٌ نسبياً لأن الإعلام يعرضُ زاويةً واحدةً، ولأنّ المشاهدَ يبحث عن المتعة والتّسـلية وليسَ عن الحقيقة، وهذا ماتقدّمه هوليوود ببراعة.

تحاولُ الطّاقات الشّابّـةُ في البلادِ العربيّة أن ترقى بالسّـينما عموماً، إلا أنّ التّقدّم بطيء، والحروبُ لا تترك مجالاً كي تتفرّغَ المجتمعاتُ للسّينما، لكنّ الحقيقةَ تُطحَـنُ تحتَ عجلةِ الزّمن السّينمائي السّريع. فنأملُ أن توازي الشّاشـةُ العربيّة يوماً ما ضخامةَ أزماتها وتبدأ بتدوين تاريخها بعدسةِ الواقع الصادق.
___________________________________________________________
**مروة ملحم - كاتبة سورية
* الصورة الرئيسية من فيلم "السلاحف تستطيع الطيران"
* الصور من الانترنت

تم عمل هذا الموقع بواسطة