04 Jan
04Jan

ربما لو تساءلنا ماهي الخلطة السحرية لأنجح أعمال الكوميديا العالمية، لوجدنا أنها وضع مجموعة من المغفلين، أو واحد على الأقل، ضمن مجموعة من الأحداث المربكة والسريعة، وجعلها تجري بسلاسة دون تكلف ومبالغة، وهي تماماً الخلطة التي استعملها المخرج والممثل الأميركي "جوزيف باستر كيتون" في أفلامه القصيرة والطويلة التي تركت بصمةً هائلةً في تاريخ السينما، ليس أنها الكوميديا الذكية العفوية فحسب، بل هي صامتةٌ أيضاً، وتختلف إلى حد كبير عن الكوميديا الصامتة التي صنعها الأيقونة "شارلي شابلن" والتي تقفز سريعاً إلى الذهن حين ذكر هذا النوع من الأفلام.

"باستر" أي المغفل، هو الاسم الذي اختاره لنفسه ليكون متطابقاً تماماً مع الشخصية التي يؤديها في جميع أفلامه، بوجهه الذي لم يبتسم للشاشة أبداً، وقامته القصيرة مرتدياً بنطالاً واسعاً في أغلب الأحيان وتسريحة شعر عادية وقبعةٍ إما تطير أو تسقط ليلاحقها ويدخل رأسه بها عشرات المرات، على الأخص في فيلم "Steamboat Bill.Jr".


تميز كيتون بتأديته للمشاهد الخطيرة بنفسه، ونظراً للإمكانيات القليلة التي امتلكها السينمائيون في تلك الحقبة، فقد كانت مشاهد خطيرة فعلاً، مما أدى به لعدة إصابات وكسور أثناء التصوير، حتى أنه كسر عنقه في أحد مشاهد فيلم "Sherlock Jr" أثناء تعلقه بمضخة ماء لتعبئة صهريج قطار، عدا عن الكدمات والسقطات التي يدهشك وأنت تشاهد فيلماً أنجز في العشرينيات، مدى واقعيتها فتتساءل أن كيف تمكن من تصوير هذا المشهد ثم متابعة السير بشكل عادي، مثلاً في أحد مشاهد فيلم "الملاح بيل الابن"، يمشي على ظهر القارب فتنزلق إحدى قدميه للأسفل ويسقط جالساً على الحافة تماماً، ثم ينهض ويمشي ليقفز من قارب لآخر للقاء حبيبته مع وجود لوحٍ خشبي مسندٍ إلى القاربين دون تثبيت، وما إن يتحرك القارب الآخر للأمام قليلاً، حتى يسقط كيتون في الماء، وكالعادة، دون أي تعبير على وجهه.


أما ما جعل من كيتون مخرجاً مبدعاً بحق، رغم أنه لم يحظ بالتقدير الحقيقي لأعماله إلا بعد وفاته، هو ابتكار مشاهد وأفكار لم يسبقه إليها أحد، فيلمه الطويل الأول "ثلاثة عصور" كان مقسماً لثلاثة أجزاء، ثلاث قصص حب في ثلاثة أزمنة دلالةً على أن الحب لا يتغير مضمونه وتأثيره طيلة الزمن، وقد اختار هذه الفكرة أساساً، لأنه لم يضمن نجاح انتقاله من الأفلام القصيرة للطويلة، فقرر في حال الفشل أن يقسم الفيلم لثلاث أفلام قصيرة، إلا أنها نجحت، ليتابع بعدها بفيلم "سبع فرص" عن شاب فقير يكتشف فجأة أنه وريث ثروة كبيرة مرهونة بشرط واحد، وهو أن يكون متزوجاً قبل الساعة السادسة في اليوم نفسه، يتبع ذلك مغامرة لطيفةً ومضحكةَ جداً، حتى أن هذا الفيلم صنع منه نسخةٌ هوليودية أخرى في عام 1999 بعنوان "العازب" من بطولة "كريس أودونيل" و "رينيه زيلويغر".




في فيلم "الملاح بيل الابن"، ثمة عاصفة هوجاء، بيوت تحطم ومدينة تكاد تقتلع من مكانها، شجرة تطير مع "كيتون" معلقاً بها، وثمة المشهد الشهير الذي تكرر كثيراً في إعلانات دعائية أو أفلام أخرى دون أن يعرف أن مصدره الأساسي هو هذا الفيلم، وهو المشهد الذي تسقط فيه واجهة بيت خشبي، بينما يقف الشاب "بيل" تحتها في مكان النافذة تماماً، وهكذا حين تقع تمر النافذة خلاله ويظل واقفاً دون أن يصاب بأذى.



فيلم "شيرلوك الابن" أبهر السينما بعدة مشاهد أهمها حين يكون هو "باستر" عاملاً في صالة سينما، وحين يسقط في النوم، نشاهد روحه تخرج من جسده وتنزل إلى صالة السينما ثم إلى الشاشة حيث يعرض الفيلم، وهو حتماً من أذكى المشاهد السينمائية وأكثرها إمتاعاً، حيث يكون دخوله مدروساً بدقة ليقع المحقق المغفل في عديد من الأحداث المؤسفة بينما يحاول كشف جريمة سرقة، مشابهة للتي اتهمه بها والد حبيبته في الواقع.



أما فيلمه "الجنرال" فهو إلى جانب قصته الطريفة وأداء باستر المتقن، هو فيلم سريع الحركة فائق الدقة في ترتيب التفاصيل، حيث يُخطف قطارٌ يحبه "باستر" جداً، ومعه حبيبته التي كانت بالصدفة على متن القطار، وذلك أثناء الحرب الأهلية الأميركية. مما يجعله يقود قطاراً آخر ليلاحق السارقين ويستعيده، وفي الطريق ثمة عراقيل يضعها الطرفين لبعضهما من أغصان أشجار وتخريب للسكك وحبالٍ تعرقل السير، وهكذا يضطر البطل لصعود القطار ونزوله عشرات المرات بينما يسير بسرعة شديدة، فضلاً عن إشعال حريق في جسرٍ خشبي، لإسقاط قطار الأعداء فيه، وهو ما كان أكثر مشاهد السينما تكلفة في تلك الفترة، حيث أدى لتدمير جسر وقطار حقيقي.

بينما كانت الفترة الأسوأ في حياته توشك على البدء حين أخرج آخر أفلامه "The Cameraman" وهو لاشك من ألطف الأفلام وأذكاها ومازال يتصدر أي قوائم تعدّ لتصنيف الأفلام حتى يومنا هذا.

من المؤسف أن باستر كيتون لم يكن محط اهتمام ولم تحقق أفلامه نجاحاً عظيماً في شباك التذاكر حينها، مما أدى لتراجعه عن إخراج الأفلام واستسلامه بعد محاولة فاشلة في فيلم صامت هو "Spite Marriage" في فترة غزو الأفلام الناطقة للسينما، وعاش بعدها عاطلاً بقية حياته، عدا عن مرة وحيدة أطل فيها على الشاشة كضيفٍ في فيلم "Sunset Blvd" لبيلي وايلدر عام 1950.

توفي (الوجه الحجري الأعظم) كما كان لقبه عام 1966، دون أن يدرك أنه صار يعد أيقونة في صناعة السينما وأن أفلامه لاتخلو منها المراكز الأولى في أي قوائم عامة أو خاصة، وأن مخرجين عظماء مثل "أورسون ويلز"، يعتبرون فيلم "الجنرال" أعظم فيلم أنجز في السينما.




___________________________________________________________
** مروة ملحم - كاتبة سورية
* الصور المرفقة من عدة مواقع.
*اللوحة الفنية من موقع (rebloggy)


تم عمل هذا الموقع بواسطة