20 Apr
20Apr

"السينما، إنّها تبدأ بكلمات على الدّوام، فالكلمات هي من يقرّر ما إذا كان للصور حقّ الولادة. 

الكلمات، إنّها الطريق التي يجب أن يعبرها الفيلم كي تستطيع الصور أنْ تخرج إلى حيّز الوجود. و هنا بالذات ، تخفق الكثير من الأفلام "

                                                          ويليام أرنست فيندرز – مخرج ألماني

 

إذاً السينما بطابعها الحكائي الروائي، أو التسيجيلي الوثائقي هي ذاكرة الشعوب عمّا تعيشه، فبعد عشر سنوات من الآن سيكون بإمكاننا أنَ نكاشف ما عشناه و نعيشه اليوم من حروب من عين السينما. و لكن ماذا لو بقيت السينما في عزلة التلقّي؟! ستكون حتّما ً ذاكرة للنخبة السينمائية، و ماذا عن باقي شرائح التلقّي ؟!.

أثناء تحضيري لهذا المقال، قمت ُ بزيارة إلى سينما سيتي في دمشق، السينما الوحيدة التي تُحقق معايير العرض السينمائي في سوريا. ما شاهدته هو ميول جمهور السينما و غالبهم من الشباب نحو الفيلم الأجنبي، و تحديدا ً الأفلام التجارية. في حين ينأى الجمهور السوري بنفسه عن الفيلم السوري المحلّي رغم أهميّته، فالفيلم السوري يُعرض في المهرجانات و يحصل على جوائز و أصداء إيجابية.
 و من هنا فإنّي أتذكّر جيّداً أنّي في عام 2015 كنت وحيداً في الصالة ذاتها أتابع فيلم الرابعة بتوقيت الفردوس رغم الأهمية الدلالية و الرمزية البصرية العالية التي يقوم عليها الفيلم لمخرجة محمد عبد العزيز.

و في حديثه عن أزمة الجمهور يقول المخرج السينمائي محمّد عبد العزيز "هنالك جمهور للفيلم السوري و لكن هنالك أزمة جمهور في السينما بشكل عام. كارثة الجمهور في سوريا تعود إلى شحّ صالات العرض السينمائي في سوريا، فهنالك فقط صالة عرض واحدة لعرض الفيلم ب quality و صوت جيّدين و هي السينما سيتي و هي قطّاع خاص. أما القطاع الحكومي، فإنّ آلات عرض الفيلم قد نُسّقت و أصبحت قديمة، فالصوت 5.1 و آلات عرض 35. في حين يتّجه العالم إلى عرض DCP" لقاء إذاعي في برنامج المختار بتاريخ 14-12-2016

من حديث عبد العزيز يمكن استنتاج المشكلة، و هي عدم قراءة مستقبل مسار السينما. و هذا ما غيّب صالات القطاع الحكومي عن عرض الفيلم، أما السينما سيتي، فإنّ مشاهدة فيلم لعائلة سيكلّف من 10000 إلى 20000 ألف ليرة سورية، و هذا الرقم باهظ قياسا ً بما يُعانيه الناس من كارثية معيشية في سوريا بسبب الحرب.

و أضاف عبد العزيز في المقابلة ذاتها أنّ أكثر مشكلة في سياسة المؤسسة العامة للسينما المُنتج الوحيد للسينما في سوريا هي إدارة توزيع الفيلم بعد تنفيذه. فالفيلم يبقى حبيس أرشيف المؤسّسة العامة للسينما و لا تفكّر في توزيعة بهدف انتشار الفيلم و وصوله إلى الجمهور إما عن طريق البثّ عبر الانترنت أو الحصول على الفيلم على شكل اسطوانةDVD و هذا ما شكّل نزوع للجمهور باتّجاه الفيلم الأجنبي المتوفّر على الانترنت أو في المحال التجارية الخاصّة بالأفلام. و في هذا الصدد قال السيّد عمّار أحمد حامد مدير المهرجانات السينمائية في المؤسّسة العامة للسينما " الفيلم السوري يتمّ عرضه في صالات العرض الحكومية و إن كانت أدوات العرض تقليدية، لأنّ غاية المؤسسة هو وصول المُنتج الفيلمي إلى الجمهور، فالمؤسسة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة هي مؤسّسة غير ربحية" و قد أكّد السيد عمار حامد "أنّه يتم العمل الآن على تحديث آلات العرض في دور العرض الحكومية و تحديثها إلى DCP، بالرغم من الحرب و الحصار الاقتصادي المفروض".

إذاً المشكلة ليست في الجمهور، بل في الترويج للفيلم، فبمقارنة بسيطة بين المسرح و السينما، نجد أن الصالة المسرحية تكتمل عند وجود عرض مسرحي، و هذا لا يقتصر فقط على اليوم الأول للعرض، بل على امتداد العرض المسرحي. ما يبرّر بالتالي المشكلة في السينما، و هي آلية وصول المُنتج السينمائي للجمهور السوري.

فضلا ً عن أنّ نوعية المادة الفيلمية في السينما، قد لا تأخذ بعين الاعتبار الجمهور و مُتطلبّه، ف فيلم دمشق مع حبّي حقق جماهيرية واسعة عندما عُرض في عام 2010 فهو من الأفلام التي تأخذ المُتلقّي و رغبة التلقّي عنده بعين الاعتبار، و على هذا الأساس كان دمشق مع حبّي الفيلم السوري الأول الذي يربح مال. و عن آلية ترويج الفيلم السوري يقول عمّار حامد "بدأنا نعمل حلمة دعائية للأفلام السورية، من خلال مدعويين ليتم إطلاق الفيلم بحضور طاقم الفيلم، و هذا يُساهم في نشر الفيلم جماهيرا ً". أمّا عن آلية انتقاء النصوص و مراعاة ذوق المُتلقّي يقو السيد حامد :" ما يتم التركيز عليه هو النوعية الفكرية للفيلم المُنتج بغضّ النظر عن الجمهور لأنّه من الصعب التحكّم بالجمهور و ذائقته و هذا ما يبرّر نجاح بعض الأفلام على حساب الآخر".

كخلاصة، فإنّ السينما السورية تُنافس عربياً و عالمياً بدون أن تُنافس محليّا ً بسبب غيابها عن شريحة واسعة من الجمهور. لكنّ الجمهور إن أراد سينما يبحث عنها و إن صعبت الوسيلة. أمّا وسائل التوزيع فيجب أن تتحرر من رتابة البيروقراطية الحكومية كون الدولة هي المُنتج الوحيد للسينما في سوريا، على اعتبار أن الفن هو خلق إبداعي، يحتاج إلى مرونة عالية في التعامل، و كون السينما هي ذاكرة، فهذا يعني بالضرورة مسؤولية شديدة في التعامل مع المادة الفيلمية كونها عاجلا ً أم آجلا ً ستخرج و سيشاهدها الجمهور بعد سنوات لتكن في الغد عين الواقع اليوم.
_________________________________________________________________________
** حازم صمّوعة - كاتب سوري
* الصورة الرئيسية من فيلم "الرابعة بتوقيت الفردوس" للمخرج السوري محمد عبد العزيز.

* الصور من الانترنت 

تم عمل هذا الموقع بواسطة