28 Feb
28Feb

أن تعيش في دولة خليجية، ولاسيما في مدينة لا تشبه سواها مثل دبي، لا يعني على الأطلاق أنك ستعيش في مجتمع «خليجي»، إذ لن تلبث أن تجد نفسك على تماس مباشر مع شعوب الأرض، تتقاسم معهم أماكن العمل والسكن والمطاعم والمراكز التجارية والطرقات واللغات واللهجات والعادات!

الانطباع الأول الذي جاهرت به بعد اتصالي الأول بالإماراتيين كان طريفاً!

تساءلت أمام أول صديق اماراتي زارني في مكتبي، وهو الشاعر المعروف كريم معتوق، عن سرّ الزي الوطني الأماراتي الذي كرّم الرجال باللون الأبيض وحجب النساء باللون الأسود، وأردفت بأنني شبه واثق بعد احتكاكي الأول بالرجال والنساء في هذا المجتمع «الهادئ»، بأن المرأة هي الطرف الأقوى والأكثر تأثيراً وفعالية في العائلة الأماراتية، رغم المكانة البارزة التي يحظى بها الرجل الإماراتي الذي يتميّز بدماثة وكياسة يندر أن تجدهما لدى الرجال عموماً.

لم أنتظر جواباً من كريم، فأنا كنت إسترسل بانطباعات شخصية لا يمكن الاستناد اليها لإطلاق تعميمات ثابتة.

ولكن، مما لا شك فيه أن الإماراتيين يتميّزون بالبساطة والأناقة واللطف، رغم ذاك الحذر الراسخ الذي لا يفارقهم، ورغم قدرتهم الفطرية المذهلة على اخفاء ردود أفعالهم الى الحدّ الذي يمكن أن يرعب متوسطي حيوي ومتوتر مثلي!

كنت دائماً أعجز عن فهم الوجه الإماراتي!

لا يستطيع المرء أن يلمح لدى الإماراتي أي حزن أو فرح أو غضب أو إعجاب، حيال أي حدث أو حديث!

لاحقاً، سأكتفي بإرجاع ذلك الى علاقة دهرية، متوارثة عبر الجينات، مع الصحراء بشموسها ورمالها وانتظاراتها التي لا تنتهي...

أول ما لاحظته في «كل الأسرة»، أن فريق التحرير الإماراتي كان مستبعداً عن دورة العمل، دون مقاومة!

الجميع كان لديهم الإقتناع الثابت بأن المحررات الإماراتيات لسن أكثر من «ديكور» ضروري لتلبية شروط «الأمرتة»، وأنهن فعلياً لا يصلحن لهذه المهنة، ولا لأي مهنة أخرى ربما!

لم أكن لأقتنع بذلك دون «اثباتات»، وبدل أن أباشر تعارفي مع المحررات العربيات، اخترت وسط دهشة الجميع، عقد لقاءات جماعية وفردية متواصلة مع فاطمة النعيمي وكفاية الشرف وهناء الحمّادي وفاطمة السويدي، أي مع اماراتيات المجلة.

خلال أسابيع، انطلقن بثقة لمنافسة زميلاتهن الآتيات من عواصم الصحافة العربية، وأتيح لهن التفوق عليهن في بعض الأعداد!

وسأظل فخوراً بما فعلته دائماً، وستحمل لي هؤلاء الزميلات مودات صادقة مدى العمر. كان ينقصهن الإيمان بقدراتهن، وقد منحتهن هذا الإيمان بجدية وإخلاص. ولاحقاً، سأنتزع منهن "كآبة" لا تغيب عن ذاكرتي، قبل لحظات من مغادرتي «كل الأسرة» دون مراسم وداع رفضتها بإصرار!

لقد أحببت الإماراتيين، ولم أحبّ الإمارات!

لم يتح لي، للأسف، أن أزور مصر، لكنني مصري الهوى قبل أن تجمعني بهم أيامي الإماراتية، وسأبقى مصري الهوى رغم بعض «الصدمات»!

لا أريد أن أظلم الزملاء المصريين، لكن من رأيتهم كانوا أقل من «مصر» التي نشرت أمزجتها ونكهاتها السياسية والثقافية والفنية والإنسانية في كل أنحاء العالم العربي!

ما الذي صنعته الأيام بمصر والمصريين؟ لا أعرف!

كدت أبكي وأنا أستمع لزميل مصري يخبرني أن بلاده تمتاز بالأهرامات، وراح يشرح لي ما هي الأهرامات! لم أصدّق أن هذا الجامعي الذي يعمل في الإخراج الفني يخبر هذه المعلومة لعربي آخر! وبدل أن أبكي ضحكت وقلت له: هل تعتقدني يابانياً؟!

مع انضمام زميلتين مصريتين للفريق، هما حنان جاد ونجلاء أبو زيد، استعدت بعض الثقة بمصر «الولاّدة» كما أسميّها!

كانت حنان ذات الميول الناصرية والعلمانية، صاحبة موهبة غير عادية، وسرعان ما صارت المحررة الأولى في «كل الأسرة».

سأتكل على حنان في التحقيقات والمقاربات الصحافية التي تحتاج الى رؤية وشمولية وقلم رشيق وعقل متنوّر... ولكن سأدقق كثيراً في الورق الذي تكتبه لأنها لم تعترف أبداً بالرقابة والممنوعات، وحسناً فعلت!

حنان ستتزوج من سوري وتنتقل للعيش في دمشق، وستكون الصديقة الوحيدة التي لا تزال تتواصل معي هاتفياً بمعدّل «زوروني كل سنة مرّة»، وسأحمل لها دائماً مودة خاصة تستحقها لذاتها، وتستحقها أيضاً لأنها «أنقذت» علاقتي بمصر!

لا أنسى، يوم مغادرتي «كل الأسرة» كيف دخلت حنان الى مكتبي المحتشد بالزملاء، وراحت تبكي بصوت مسموع، ثم قالت مع ابتسامة حزينة: لا يجب أن يقال يوماً أنك ذهبت بلا دموع...

فوجئت بالسوريين!

في لبنان لم أكن أميّز بين اللبنانيين والسوريين، فنحن "أهل"، وبيننا الكثير من التاريخ، والكثير من الجغرافيا، والكثير من «الجيرة»، وما يتقاسمه «الجيران» من ألفة وخصام ومشاعر متناقضة!

السوريون في الإمارات، وأعتقد في كل «مغتربات العمل» الخليجية، يميلون الى الانطواء والحذر والابتعاد عن المشاكل! هل هي تأثيرات القبضة الحديدية التي حكمت سوريا على مدى عقود؟ لا أعرف...

مع ذلك، نجحت ببعض الصعوبة في اكتشاف قدرات موظفة في قسم الترجمة، متخصّصة باللغة الفرنسية، هي ليليا بيطار التي استعادت ثقتها بنفسها وبفعاليتها في العمل، ومع الوقت تعلّمت كيف «تبتسم»!

المفاجأة، أن ليليا كانت ممثلة تلفزيونية شبه معروفة، ولها أدوار معقولة في عدد من المسلسلات السورية، وقد أوقفت مسيرتها المهنية كفنانة مؤقتاً لترافق زوجها الذي التحق بشركة هندسية في دبي!

ولم أنجح كثيراً مع فنان تشكيلي سوري يدعى ثائر، حاولت جاهداً أن أدفعه لكي يكون أساسياً في نسيج العدد، لكنه بقي انسحابياً مكتفياً بأن يكون بعيداً عن الأنظار!

«الاختفاء» كان يعني للسوريين أماناً افتراضياً، لا أجد سبباً له، ولربما يحتاج الى دراسات اجتماعية أعمق من مقارباتي هذه لتفسيره كظاهرة جدية!

اقتربت أيضاً من الأردنيين والعراقيين، وكنت في بيروت قد التقيت الكثير من الطلاب الأردنيين والعراقيين، ولم تتبدّل انطباعاتي عنهم: الأردنيون طيبون ومرحون و «فلسطينيون» في وجدانهم العميق، والعراقيون عاطفيون وانفعاليون ويتميزون بتلك القوة الدفينة التي تظهر أحياناً وكأنها «قسوة» هم أبعد الناس عنها!

لا يمكن أن أحكم على الهنود والباكستانيين الذين رأيتهم في الأمارات، فهم «الحلقة الأضعف» ظاهرياً في سوق العمل، لكنهم في واقع الأمر كانوا حاضرين في يوميات المجتمع بكل خصوصياتهم وتقاليدهم و «بهاراتهم»، وأعتقد أنهم اضطروا لإجادة أداء دور الحلقة الأضعف كنوع من الدفاع الوقائي عن الذات في مجتمع صعب.

الاكتشاف الذي توقفت عنده، كان يتصل بالغربيين عموماً، وخصوصاً بالأميركيين والبريطانيين، فالسوق الخليجي يستقطب الكثير من هؤلاء الذين يتعاملون مع العرب عموماً، ولاسيما مع أهل الخليج، بفوقية فظة!

للأسف، أقول بعد خبرة، أن «الأجانب» الذين يقصدون دول الخليج للحصول على فرص عمل قيادية برواتب خيالية، هم من أصحاب الكفاءات التي يمكن تصنيفها في الدرجتين الثالثة والرابعة في بلدانهم!

بلا أدنى شك، فأن الموقع المميّز في الإمارات هو للفلسطينيين واللبنانيين.

سرعان ما اكتشفت أن الفلسطينيين «شركاء» في بناء المدنية الجديدة في معظم دول الخليج، وهم نشيطون ومميزون وحاضرون في كل المهن، والكثير من «الإماراتيين الافتراضيين» الذين التقيت بهم بأزيائهم الوطنية التقليدية، لم يكونوا سوى فلسطينيين من الأجيال التي ولدت وكبرت في «المنافي»...

لقد انتزع الفلسطينيون مواقع متقدمة ومحترمة لهم في هذا المجتمع الخليجي الذي قفز مع «الفورة» النفطية من «البساطة» الى «فوقية» مصطنعة تجاه العرب على نحو خاص، هي نتاج سطوة المال! مع ذلك ستبقى الفوقية الخليجية شبه كاريكاتورية، ولن يلامس الخليجيون جمال ما لديهم سوى في اللحظات والمواقف التي تغلبهم فيها بساطاتهم الفطرية التي لم يخسروها!

الوضع بالنسبة الى اللبنانيين كان مختلفاً، بل يمكن القول أنه كان «ساحراً»!

أجزم أن الإماراتيين لم يحبّوا ويحترموا شعباً من شعوب الأرض كما أحبّوا واحترموا اللبنانيين! لماذا؟ أيضاً لا أعرف! انه «سحر» لبنان...

أعترف أن الإمارات صالحتني مع «لبنانيتي»!

كنت على خصام يتعمّق، سنة تلو سنة، مع التركيبة اللبنانية الهشة، ومع الادعاءات اللبنانية التافهة، ومع المفاخرات اللبنانية الكوميدية!

فجأة، اعتذرت، هناك، من وطني!

كان يكفي أن أكون لبنانياً لكي أحظى بالمحبة والاحترام والثقة من كل الإماراتيين، وربما من كل العرب!

لست مؤهلاً لتفسير هذه الظاهرة سوسيولوجياً، لكنني أدركت بفضل «الأمارات» قيمة لبنان وجدّدت انتماءات عميقة الى الوطن، كادت تتلاشى!

هناك أيضاً بشر فوق الجنسيات والبلدان! عرفت واحدة من هؤلاء البشر هي روحية هيكل، سكرتيرتي العزيزة.

صحيح أنها مصرية، وربما فرعونية، لكنها كانت «أكثر» من أن أختصرها بهويتها.

ستبقى سندويشات «الجبنة الرومي» الصغيرة التي تضعها روحية، قبل وصولي الى المكتب، على طاولتي، في ذاكرتي الى الأبد!

لقد لاحظت المرأة الطيبة أنني أمضي طوال اليوم بلا طعام، ولا أتناول وجبات من السوق، ودأبت على «تجربتي» بأنواع من السندويشات الخفيفة تحضرها معها من بيتها، لتكتشف أنني عشقت «الجبنة الرومي» بمذاقها الحاد الذي أفتقده كثيراً الى اليوم!

عندما عرفت روحية أنني على وشك المغادرة، اختفت!

لم تكن بين المودعين، ولم أعرف أين ذهبت، لكنني على يقين بأنها كانت بحاجة للاختلاء بنفسها لكي تأخذ راحتها في بكاء متواصل.
____________________________________________
** طلال شتوي - كاتب لبناني
* اللوحة من موقع (http://designartcanada.com)

تم عمل هذا الموقع بواسطة