06 Feb
06Feb

إنّ الذين عرفوا سراقب قبلاً، عرفوها لبوظتها والهيطلية، وأحياناً لصوت أحمد التلاوي أبو حسين وربابة أبو حديد.

الجلابيات البيضاء التي يظنها الناظر من بعيد لجوقة الدبكة، عرضاً عسكرياً من البياض والأحذية السوداء اللماعة، وطبل القرباط يُنظم الدقة والخبطة، كلّ الطبالة كنا نظن أنهم "بحري" لتشابههم الا " نادر" كان معروفاً ومتاميزاً عنهم لأنه ضرب الطبل وأدار القهوة في كلّ أعراس الرجال، رجال الجلابيات البيض.

لم تغفل عنا رائحة الهال، في الأعراس كما بيوت العزاء، الا أن صوت الخبطة للدبيكة مخلوطاً بالهال، ميزة أعراسنا، نحن الذين نلوح كالقصب على النايل والسويحلي، ونأن في كلّ مرة يقول فيها أبو حسين " يا يابا يا ياباااا".

العريس المدثر بعباءته أو بطقمه الرسمي، متمايز عن الحضور حيث يكون محاطاً بهالة من السعادة، كأنه غير الذي عرفناه، بعرق وشحم سيارات أو نشارة خشب، يصبح أنيقا، ودائما لدينا في ذاكرتنا عما بعد العرس، ذلك المصور الذي يقترب من الورود الصناعية ( الباقة ب ٢٥) ويدمج بها صورة العريس، لتكون مونتاجاً مباشراً لكلّ هذا.

لحاجة ملحة يومها، أخبرني أخي أننا سنذهب للعرس، "فتحضر، ستكون دربكة وغناء"، لم أكترث قبلاً لما يمكن أن يقال في عرس، أجيد لعب دور المساعد دائماً، الصبايا في أعراسنا يصدحن بالأغاني، أخي يتفنن في النقر على الدربكة التي نسخنها على النار لتشتد، من جلد أو زجاج لا فرق، هناك نبدأ ب " شلفك يا زين وروح الميجانا" ثم نعد " الغربي لديرو" و"هيلا لما ل لما"، ولكن في ذلك اليوم بدأت ألعب دور قائد الحفل، فغنينا " هلك ومستهلك" و اسكتشات رحبانية، كنت أظن أن القوم لا يعرفونها.

صار العرس بعدها أكثر التصاقا بالقلب، أصبحت فسحة الدبكة " زبيب وقضمامة" مسرح الحب الوحيد، حيث تغافل الجميع وتمسك يد ابنة عم كنت قد أعددت لها الكثير من الحكايات عن الريح وفجر برائحة الهال.

النساء اللواتي لم يجدن الصالات للزينة، ومكياجات، كانت تستلمهم ابنة عمتي الكبيرة، لسبب ما كان الجميع يظن أن ما تفعله جميل، بعد هذه السنوات، ولعنوسة عاشتها، اتضح لي أن الكحل والحمرا، التي كانت تضعها بعنف، تكسب النساء ذلك المظهر الغريب، دليل حقدها على الوجوه التي لم تكنها، والوجوه التي سترى صنيعتها.

طقس الصمدة غالباً يبدأ بالعشاء، بعد كثير من ليالي التعاليل، والتي تعد بروفة أولية لكلّ شيء، حيث عمتي تطبخ الفريكة وتوزع عليها اللحم، كان هذا عرفا متوارثا، تماماً كما كان لأختها شوف توزيع الحناء، في ليل الصمدة، حيث تدور به على الجميع حين يصدحن " المن يعلقون الشمع والحنة"، ولطالما كان نصيبي كيسيي حناء، وذكرى عرس لن تنتهي.

أربع عمات كن مسؤولات عن العرس، من بدايته للنهاية، الحلويات الموضوعة في صرر صغيرة، الحناء، العشاء، وعداويات العرايسي حيث " حبق بالطبق" وقريص العسل والمهرة المربوطة بأرض الدار.

اليوم نكون قد أتممنا الست سنوات بلا عرس في قريتنا هذه، حيث ننثر في كلّ ليلة حناء وحلوى خيبتنا وغربتنا، ونأنّ كلّما تذكرنا ألا عمات بعد اليوم يقمن العرس، رحلن تباعاً، كما يرحل صوت التلاوي في كلّ يوم رائحة هال وخبطات حزن.
_________________________________
** محمد حاج حسين - كاتب سوري
* اللوحة للفنان السوري (نذير نبعة).

تم عمل هذا الموقع بواسطة