15 Oct
15Oct

حينما بدأ عازف الأوكرديون في بهو المحطة التحت أرضية عزفه، كانت أنغامه تنهمر على الأسماع في كل الأرجاء.

وإذا حالفك الحظ وكنت ممن يشهقون شهقة ارتياح أو شهقة فهم لنغمة توحي بالبساطة العليا، فإنك ستفهم غرضي من الشروحات اللاحقة بالضبط.

لا يهم اسم العازف ومسقط رأسه وعمره والمبلغ الذي وضعوه له في القبعة للدخول في العالم المواز، المهم ؛ توليفة قليلة من نغمات لا تتجاوز عدد أصابع اليدين كافية لبعثك من جديد.

وماهو مهم في معرض السرد القصصي السريع لمثل تلك الحالات الشعرية، هو تلك الشهقة التي تلتقطها الرئتين.

المهم هو تلك الحالة الديجافوية الدفاقة والتي تجعل من وقوفك بساقين ثابتتين غاية في الصعوبة، وتصبح الروائح أكثر تعذيباً بإيحاءاتها الروحانية الممرضة.

تلك النغمة التي يخال المرء أنه لن يفسرها بطرق عاطفية مفرطة في حالات الاستقرار النفسي، بحجة أنها موسيقى لاشرقية لم تنمو بآذاننا عندما نمونا.

إلا أنك وفي تلك الحالة، الحالة الروحانية الفوضوية ؛ ستساوي بين الربابة البدائية أحادية الوتر والبيانو.

وسيخرج شعاع مافيك، صوت قادم من وراء الفم سيحدث الرجة الأبدية، وسينظر لك من هم ليسوا أنت ؛ من لم تكن سيقانهم قد اهتزت للتو، على أنك وجه بعينين مفتوحتين ثابتتين بلا رموش وفم مفتوح بطريقة دائرية كأسماك الزينة المنزلية تماماً، وجه سمكة بجسد بشري.

لن تدرك ندرة تلك الحالة إلا بعد انتهائها، حين تتقيأك الحياة على الطريق الطويل، المجرد وعديم الإيحاء، والذي بدأ بأول فكرة كونت عند أوائل الوعي، أول فكرة أطلقت - أول ورطة - النغمة الأولى، هي ما تسمعه الآن.

 لمس عالمين بلحظات متتالية، هو حقيقة مرعبة بكل صورها التي نخالها مضحكة..

السمكة البلهاء - صوت القطار من آخر النفق- أو منجم فحم في عمق الأرض، وضعت فيه فتاة فأسها وبادلت عشيقها قبلة .

وعالم بارد خالي من الموسيقى وروائح الفحم،

عالم مضطرب، جاف وقاحل بالماورائيات والأسرار ولذائذ الغموض .

ولذلك قد تكون أحلام اليقظة - أدب العصابيين - رائحة اليانسون - أو رائحة غرفة مطلية حديثاً - حسناء تحدق بك لست ثوان متواصلة.. أي يكن الشيء بسيطاً، كطرف خيط يؤدي إلى الشهقة، شهقة الخروج من هذا العالم.

حين تسأل أنت نفسك، لماذا على العاطفة أن تقدم صوراً وهذراً لا طائل منه، وتجعل من كل شيء مثيراً للسخرية إذا لم يخضع للتزوير والانتقالات من وإلى، ألف مرة يومياً.

لماذا وضع الألم كمقياس للسعادة ؟

هل كانت السعادة قابلة للقياس لولا وجود الألم ؟

هل أدركت رعب ذلك، و هل تستطيع المتابعة بالطرح ؟

هل سندرك الموسيقى لو لم يكن الصمت هو السائد الأول؟

وهل سنعلم عن الشهقة لو لم نكن موتى؟

الآن ضع موسيقى بيازولا، أغمض عينيك، وتخيل رائحة!! لأن الرائحة ستكون موجودة حالاً.

أتسمع قلبك كيف يغني ؟

أتشعر بالرئتين كم هما نظيفتين؟

هل تعي فضاءك بالداخل؟ الذي تميزه وأنت مغمض العينين؟

هل أنت خائف من أن تفتح عينيك لترى القبح مجدداً؟
______________________
** مرهف السليم - كاتب سوري 
* اللوحة بعنوان "accordion player" للفنان الألماني " Uli Lachelt"

تم عمل هذا الموقع بواسطة